الحدث الخليجي الجمعة، 25 سبتمبر 2026
رئيس التحرير محمود أبو السعود
آخر الأخبار
كتاب الحدث

عيد أحمد عيد يكتب: حين يموت الضمير.. لا يكفي القانون

أحمد حموش
كُتّاب الحدث

أحمد حموش

مقال رأي ضمن كُتّاب الحدث

لن يصلح القانون فينا رادعًا، حتى نكون ذوي ضمائر تردع.

 

قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تضع أيدينا على حقيقة نغفل عنها كثيرًا حين نبحث عن علاج لكل خطأ في مادة قانونية جديدة، أو عقوبة أشد، أو رقابة أوسع. فليس العيب دائمًا في القانون، كما أن الحل ليس دائمًا في تشديد العقوبة.

 

القوانين ضرورة لا غنى عنها لأي مجتمع يريد أن يحفظ الحقوق وينظم العلاقات ويمنع الاعتداء والفوضى. لكن القانون، مهما بلغت قوته، يظل عاجزًا عن الوقوف خلف كل إنسان في كل لحظة.

 

لا يمكن أن يكون هناك شرطي عند كل باب، ولا كاميرا في كل زاوية، ولا جهة رقابية تراقب كل تصرف. ومهما أُحكمت النصوص، سيظل هناك من يبحث عن ثغرة، ومن يتحايل على القانون، ومن يختبر حدود المسموح والممنوع، لا ليسأل نفسه: «هل ما أفعله صحيح؟»، وإنما ليسأل: «هل يمكن أن أُعاقب عليه؟».

 

وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين الخوف من القانون والخوف من الظلم.

 

فالإنسان الذي يمتنع عن الخطأ فقط لأنه يخشى العقوبة قد يرتكبه بمجرد أن يطمئن إلى غياب الرقابة. أما صاحب الضمير، فإنه يتوقف حتى عندما لا يراه أحد؛ لأنه يعرف أن غياب الرقيب لا يجعل الخطأ صوابًا.

 

القانون يقول لك: لا تفعل ذلك حتى لا تُعاقب.

 

أما الضمير فيقول لك: لا تفعل ذلك لأنك ستظلم إنسانًا.

 

وهذا الفارق البسيط في الكلمات عظيم في أثره على المجتمعات.

 

عندما يصبح القانون هو الرادع الوحيد

 

المشكلة تبدأ عندما يتحول القانون من الحد الأخير الذي يحمي المجتمع إلى السبب الوحيد الذي يمنع الإنسان من ارتكاب الخطأ.

 

حينها يصبح السؤال قبل كل تصرف: هل هناك من يراني؟

 

الموظف قد يهمل طالما أن رئيسه غير موجود، والمسؤول قد يتجاوز طالما أنه يعتقد أنه لن يُحاسب، والتاجر قد يغش إذا ضمن صعوبة اكتشاف الأمر، وصاحب النفوذ قد يظلم إذا ظن أن القانون لن يصل إليه.

 

وهكذا يتحول المجتمع تدريجيًا إلى سباق بين من يضع القواعد ومن يبحث عن طريقة للالتفاف عليها.

 

نصدر قانونًا، فتظهر حيلة.

 

نسد الثغرة، فتظهر أخرى.

 

نشدد العقوبة، فيبحث البعض عن وسيلة أكثر ذكاءً للإفلات منها.

 

لأن المشكلة، في جانب كبير منها، لم تعد في النص الذي نكتبه، وإنما في الإنسان الذي يقرأ النص وهو يبحث عن طريقة لتجاوزه.

 

الضمير رقابة لا تنام

 

الضمير مختلف؛ لأنه لا يحتاج إلى محضر ولا شاهد ولا كاميرا.

 

إنه الرقابة التي يحملها الإنسان داخله.

 

صاحب الضمير لا يعيد الحق إلى صاحبه خوفًا من المحكمة، وإنما لأنه يعرف أن المال ليس ماله. ولا يحترم الضعيف لأن القانون يحميه فقط، وإنما لأنه يرفض استغلال ضعفه. ولا يؤدي عمله بإتقان لأن هناك من يراقبه، وإنما لأنه يعتبر التقصير فيما اؤتمن عليه نوعًا من الخيانة.

 

وهنا تكمن قيمة الضمير باعتباره خط الدفاع الأول عن المجتمع.

 

فالقانون يستطيع أن يعاقب على جريمة ثبت وقوعها، لكنه لا يستطيع وحده صناعة إنسان عادل.

 

ويستطيع أن يعاقب الموظف الفاسد، لكنه لا يستطيع أن يزرع الأمانة في قلبه.

 

ويستطيع أن يعاقب الظالم، لكنه لا يستطيع أن يمنحه الرحمة.

 

تلك أشياء تُبنى داخل الإنسان قبل أن تصل إلى ساحات القضاء.

 

المجتمع لا يصلحه القانون وحده

 

وهذا لا يعني التقليل من أهمية القانون، ولا الدعوة إلى استبداله بالمواعظ والأخلاق. فالمجتمع يحتاج إلى الاثنين معًا: قانون قوي وعادل، وضمير حي يحترمه حتى في غياب الرقابة.

 

القانون يحمي المجتمع ممن ماتت ضمائرهم، بينما التربية والقيم والثقافة تصنع الإنسان الذي لا يحتاج في كل تصرف إلى التهديد بالعقوبة.

 

ومن هنا فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ من البرلمان وحده، ولا من المحاكم وحدها، ولا من أجهزة الرقابة وحدها.

 

إنه يبدأ أيضًا من البيت والمدرسة والجامعة ومكان العمل، ومن الطريقة التي نربي بها أبناءنا، ومن القدوة التي نقدمها لهم.

 

يبدأ عندما نعلم الطفل أن الكذب خطأ حتى لو لم يُكتشف، وأن أخذ ما ليس له سرقة حتى لو لم يره أحد، وأن إهانة الضعيف ظلم حتى لو كان قادرًا على الإفلات منه.

 

ويبدأ عندما يدرك المسؤول أن السلطة أمانة قبل أن تكون امتيازًا، ويدرك الموظف أن الوظيفة مسؤولية قبل أن تكون راتبًا، ويدرك صاحب العمل أن حقوق العاملين ليست مِنّة، ويدرك كل إنسان أن حقوق الآخرين لا تصبح مباحة لمجرد أنه قادر على انتزاعها.

 

نحتاج إلى الإنسان قبل النص

 

نستطيع أن نكتب آلاف المواد القانونية، وأن نضاعف العقوبات، وأن نزيد كاميرات المراقبة، وأن نوسع سلطات التفتيش، لكن كل ذلك سيظل جزءًا من الحل، وليس الحل كله.

 

فالمجتمع الذي يحتاج أفراده إلى رقيب دائم حتى يتصرفوا باستقامة يعاني أزمة أعمق من مجرد نقص التشريعات.

 

إنها أزمة ضمير.

 

وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يكون لديه قانون ضعيف فحسب، وإنما أن يصبح التحايل على القانون مهارة، والظلم شطارة، واستغلال النفوذ قوة، والإفلات من العقاب دليلًا على الذكاء.

 

عندها لن يكون السؤال: كيف نشدد القانون؟

 

بل يجب أن يكون أيضًا: كيف نعيد بناء الإنسان؟

 

فالضمير الحي يمنع أحيانًا ما لا يستطيع ألف نص قانوني منعه، لأنه يحضر عندما يغيب الجميع، ويحاكم صاحبه قبل أن يحاكمه الآخرون.

 

لذلك سيظل القانون ضرورة، وستظل العقوبة ضرورة، وستظل الرقابة ضرورة.

 

لكنها جميعًا لن تكون كافية إذا مات الرادع الداخلي.

 

القانون يردع من يخاف العقوبة، أما الضمير فيردع من يخاف أن يظلم.

 

ولهذا، فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ من مواد القانون وحدها، وإنما يبدأ من الإنسان نفسه.

 

فإذا استقام الضمير، قلَّت الحاجة إلى الردع…

 

وإذا مات الضمير، فلن تكفي القوانين مهما اشتدت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *